في الوقت الذي تستعد فيه الحكومة التونسية لدراسة إمكانية استكشاف واستخراج الغاز الصخري فضلا عن التحركات الاجتماعية التي تشهدها ولايات مثل تطاوين وقبلي للمطالبة بأكثر شفافية وحوكمة رشيدة في التعاطي مع الصناعات الاستخراجية، لا يزال يكتنف الملف الطاقي غموضا كبيرا، احتدّ مؤخرا بتنقيح مجلة المحروقات من قبل مجلس نواب الشعب وما صاحبه من طعون من قبل عدد من النواب في عدم دستورية الفصول الجديدة والتي تضمنت خرقا وضحا للفصول 10 و12 وخاصة 13 من الدستور والذي ينص على ان ''الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي تمارس الدولة السيادة عليها باسمه''.

الى ذلك لا يزال الحسم في مختلف التجاوزات والإخلالات المرتكبة قبل الثورة من قبل فاعلين نافذين في رئاسة الجمهورية وعدد من الوزارات والمؤسسات العمومية مؤجّلا.

تكريس للمحسوبية وغياب للشفافية

شابت صفقة انجاز محطات تربينات غازية لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز بكل من طينة وفريانة وحلق الوادي في 2002 عدة إخلالات ترتقي الى درجة الفساد. اذ بعد ان ابرمت ''الستاغ'' صفقة مع شركة GENERAL ELECTRIC لإنجاز هذه المحطات بمبلغ جملي ناهز 350 الف دينار، تقدمت المؤسسة التونسية في 2008 بملحق تعديلي لتوسيع محطي التربينات الغازية بطينة وفريانة، مبررة ذلك بالضغط على الآجال واطلاع الشركة الحاصلة على الصفقة بتفاصيل المشروع.

ورغم حسم اللجنة العليا للصفقات لموقفها الرافض لهذه الصفقة لتعارضها مع مبدأ المنافسة ولتكريسها للمحسوبية، فقد تم ابرامها بالاعتماد على التفاوض المباشر بناء على امر رئاسي في الغرض.

وتتمثل أوجه التجاوزات القانونية المرتكبة في هذه الصفقة في تحويل وجهة الطلبات الجديدة من ملحق الى صفقة بالتفاوض المباشر رغم عدم موافقة اللجنة العليا للصفقات على ذلك، وشروع ''الستاغ'' في تنفيذ الطلبات رغم ضخامة قيمتها المالية (حوالي 212 مليون دينار) قبل عرض الملحق على انظار اللجنة العليا للصفقات.

وبتاريخ 26 أكتوبر 2011 تولت اللجنة الوطنية للتقصي في الرشوة والفساد إحالة ملفا في الغرض على النيابة العمومية.

صفقة أخرى متعلقة بالشركة التونسية للكهرباء والغاز، عرفت تدخّلا مباشرا من رئيس الجمهورية الفار زين العابدين بن علي في 2003 لفرض عارض بعينه، اذ رغم عدم موافقة اللجنة العليا للصفقات على اسناد صفقة انجاز الدراسات والتصنيع والتزود لبعث وحدة لتوظيف الغاز المسيل بقابس الى شركة GEA، بسبب تدني العرض المالي لهذه الشركة مقارنة بمنافسيها، اعطى رئيس الجمهورية تعليماته بالموافقة على اسناد الصفقة لهذا العارض.

اليد الطولى لرئاسة الجمهورية

شهد مجال النقل البحري للمواد البترولية من جهته جملة من التجاوزات التي تطرق لها تقرير لجنة المرحوم عبد الفتاح عمر. وتبين ان شقيق ليلى الطرابلسي زوجة الرئيس الأسبق بن علي قد استغل علاقة المصاهرة ببن علي في 2008 للفوز بصفقات نقل البترول التي توفرها الشركة التونسية لصناعات التكرير (STIR) رغم عدم توفر الشروط المطلوبة.

ويشير تقرير اللجنة الوطنية للتقصي في الرشوة والفساد الى ضلوع كل من الرئيس الفار بن علي ومستشاره الاقتصادي (م.ص) ووزير الصناعة (ع.ش) ووزير النقل (ع.ر.ز) والمدير العام السابق للشركة التونسية لصناعات التكرير (أ.ب.ع) ومدير عام البحرية التجارية (م.ر) في محاباة شركة TRANSMED، وذلك بالترخيص لها في مجال النقل البحري على مستوى وزارة النقل والسعي على مستوى وزارة الصناعة الى تمكينها تدريجيا من الانفراد بسوق النقل البحري للمواد البترولية، وتم ذلك في تجاهل تام لقواعد المنافسة وللانعكاسات المالية لمثل هذه الممارسات على الشركة التونسية لصناعات التكرير.

وقد عمل مختلف المتدخلون في قطاع نقل المواد البترولية على اقصاء النقالين البحريين AMD وAMC بعد ابلاغهم بإسناد الصفقة بتعلات مختلفة على أساس تعليمات واردة من القصر الرئاسي. وقد بلغ الامر حد شطب الناقل AMC من قائمة الناقلين البحريين وتوفير منافسة صورية وبكلفة تفوق أحيانا كثيرة الأسعار المقدمة من قبل بقية العارضين، والتكثيف من الشراءات المستعجلة التي تؤمنها شركة ''ترانسماد'' والتي يفترض ان يكون اللجوء اليها استثنائيا تفاديا للكلفة الإضافية التي تتحملها شركة ''ستير''.

شبكة كبرى من الضالعين

اجمالا، بيّنت التحريات التي قامت بها اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق في 2011، بالاعتماد على الوثائق التي عثرت عليها بمصالح رئاسة الجمهورية، وجود شبكة من الضالعين في ممارسات مشبوهة على حساب منشآت عمومية تعمل في ميدان الطاقة بمشاركة أفراد موجودين بالخارج. وقد تبيّن وجود التجاوزات التالية:

  • تقديم (م.ف.ب.ك) خدمات غير قانونية بمقابل لفائدة شركة Transmed لصاحبها (م.ط) شقيق زوجة الرئيس السابق، وذلك عبر افشاء أسرار مهنية تتعلق بالصفقات التي تبرمها الشركة التونسية للأنشطة البترولية (ETAP) أو كذلك الشركة التونسية لصناعات التكرير (STIR) عن طريق مصادر معلومات له بالشركات المذكورة.
  • اطلاع الناقلين البحريين على المعطيات المتعلقة بالأسعار المزمع تقديمها من قبل المنافسين وعلى عديد المعطيات السرية الأخرى للحصول على صفقات نقل البترول بأكبر كمية ممكنة
  • تحويل المدعو (م.ف.ب.ك) مبالغ مالية كبيرة لفائدته، وذلك عبر حسابات بنكية، باسم صهره المدعو D وهو رئيس مشروع بشركة EDF الفرنسية.

وتبين من خلال أعمال التقصي التي قامت بها لجنة المرحوم عبد الفتاح عمر في هذا الملف ضلوع شبكة كبيرة في هاته الممارسات، متكونة من مسؤولين بشركات وطنية واجنبية على غرار:

  • (ع.د) الذراع الأيمن لـ (م.ط) بشركة ترانسماد وهو خبير دولي في مجال النفط ويعمل أيضا لفائدة PETROFAC وCARTHAGO OIL TUNISIA
  • S الموظفة بشركة PETROFAC OIL COMPANY والتي كانت تقوم بعمليات الوساطة والتحويل بمدينة ميلانو
  • D زوج اخت المدعو (م.ف.ب.ك) وهو يعمل بشركة EDF الفرنسية
  • (ع.م) مسؤول عن التسويق بشركة TALISMAN ENERGY
  • (ك.ق) مسؤول في شركة SODEPS
  • C يعمل بشركة WINSTAR TUNISIA

وقد أحالت اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق في مسائل الرشوة والفساد ملفا في الغرض الى النيابة العمومية بتاريخ 8 جوان 2011. وبعد مرور 6 سنوات على تعهّد القضاء بهذه القضية والتي تكون قد طالت نسبيا، يسعى المدافعون عما يعرف بمشروع قانون المصالحة الاقتصادية الى تقنين عفو غير دستوري عمن اجرموا في حق المؤسسات العمومية وتورطوا في نهبها وشاركوا في الاستيلاء على الثروات الوطنية ثم يتحدثّون عن تراجع الاستثمار وانحدار الاقتصاد.